الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
177
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ثالثة عدم ابتلائها بأي نوع من البلاء كما هي حال المتنعمين ، وعدم الرقابة الشديدة على هذا القصر من قبل العزيز من جهة رابعة . . كل ذلك ترك امرأة العزيز - الفارغة من الإيمان والتقوى - تهوي في وساوسها الشيطانية إلى الحضيض ، بحيث أفضت ليوسف أخيرا عما في قلبها وراودته عن نفسه . واتبعت جميع الأساليب والطرق للوصول إلى هدفها ، وسعت لكي تلقي في قلبه أثرا من هواها وترغيبها وطلبها ، كما يقول عن ذلك القرآن الكريم : وراودته التي هو في بيتها . وجملة " راودته " مأخوذة من مادة " المراودة " وأصلها البحث عن المرتع والمرعى ، وما ورد في المثل المعروف " الرائد لا يكذب أهله " إشارة إلى هذا المعنى ، كما يطلق " المرود " على وزن ( منبر ) على قلم الكحل الذي تكحل به العين ، ثم توسعوا في هذا اللفظ فاطلق على كل ما يطلب بالمداراة والملاءمة . وهذا التعبير يشير إلى أن امرأة العزيز طلبت من يوسف أن ينال منها بطريق المسالمة والمساومة - كما يصطلح عليه - وبدون أي تهديد ، وأبدت محبتها القصوى له بمنتهى اللين . وأخيرا فكرت في أن تخلو به وتوفر له جميع ما يثير غريزته ، من ثياب فضفاضة ، وعطور عبقة شذية ، وتجميلات مرغبة ، حتى تستولي على يوسف وتأسره ! . يقول القرآن الكريم : وغلقت الأبواب وقالت هيت لك . " غلقت " تدل على المبالغة وأنها أحكمت غلق الأبواب ، وهذا يعني أنها سحبت يوسف إلى مكان من القصر المتشكل من غرف متداخلة . . وكما ورد في بعض الروايات كانت سبعة أبواب ، فغلقتها عليه جميعا . . لئلا يجد يوسف أي طريق للفرار . . إضافة إلى ذلك أرادت أن تشعر يوسف أن لا يقلق لانتشار الخبر فإنه سوف لا يفتضح ، حيث لا يستطيع أحد أن ينفذ إلى داخل القصر أبدا .